قبر حبيبين
قَبْرُ حَبِيبَيْن

فِي زَمَنٍ تَآكَلَتْ فِيهِ الأَعْوَامُ، وَكَانَ الغِيَابُ أَطْوَلَ مِنَ الأَمَلِ، خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ القَرْيَةِ يَطْلُبُ الرِّزْقَ، فَابْتَلَعَتْهُ الطُّرُقُ، وَأَخَذَتْهُ السِّنُونَ وَلَمْ تُعِدْهُ.

غَابَ ثَلَاثِينَ عَامًا أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى صَارَ اسْمُهُ ذِكْرَى فِي أَفْوَاهِ النَّاسِ، وَفِي ظَنِّهِمْ مَيِّتًا، إِلَّا قَلْبًا وَاحِدًا لَمْ يُسَلِّمْهُ لِلْغِيَابِ.

زَوْجَتُهُ… بَقِيَتْ تَنْتَظِرُ، لَا لِوَعْدٍ، وَلَا لِخَبَرٍ، بَلْ لِأَنَّ القَلْبَ إِذَا أَحَبَّ لَا يَعْرِفُ النِّهَايَاتِ.

وَفِي يَوْمٍ عَادِيٍّ، هَبَطَ الخَبَرُ كَالصَّاعِقَةِ: «إِنَّهُ قَادِم… شُوهِدَ فِي الطَّرِيقِ».

تَرَكَتْ مَا بِيَدِهَا، وَانْطَلَقَتْ تَعْدُو، كَأَنَّهَا تَعُودُ إِلَى عُمْرِهَا كُلِّهِ فِي خُطُوَاتٍ، وَكَانَ القَلْبُ أَسْرَعَ مِنَ القَدَمَيْنِ.

وَحِينَ التَقَيَا… لَمْ تَحْتَجِ الكَلِمَاتُ أَنْ تُولَدَ، فَالعِنَاقُ تَكَلَّمَ، وَاكْتَمَلَ اللِّقَاءُ، وَصَمَتَ الزَّمَنُ.

كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قُلُوبِهِمَا الغِيَابُ، لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَجْسَادِهِمَا التُّرَابُ.

وَمِنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، عُرِفَ المَكَانُ بِاسْمٍ بَسِيطٍ وَمَعْنًى عَمِيقٍ: قَبْرُ حَبِيبَيْن.